عبد الكريم الخطيب
62
التفسير القرآنى للقرآن
والقرآن الكريم ، وإن لم يتعرض لهذه الشجرة التي كانت منها أصول الحياة وفروعها ، والتي كان الإنسان - فيما نرى - فروعا من فروعها وثمرة من ثمارها - لم يجئ بما ينفى هذه الصلة ، وتلك القرابة ، التي بين الإنسان وبين عوالم الأحياء . . بل إنه - على عكس هذا - قد أشار في أكثر من موضع إلى ما يمكن أن يستقيم منه فهم واضح لتلك الصلة الوثيقة ، بين الإنسان وعالم الحياة كله . ففي قوله تعالى « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ » ( 45 : النور ) وقوله سبحانه : « وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ » ( 30 : الأنبياء ) دلالة قوية على أن الأحياء كلها - ومنها الإنسان - مخلّقة من مادة واحدة . . هي الماء . . والماء هو المادة التي يتكون منها الطين ، إذ لا وجود للطين إلا مع الماء ، وبالماء . وقد نجد عند بعض المفسرين لمحات ذكية ، تشير إلى شئ من هذا الذي أصبح من مقررات العلم الحديث . « فالبيضاوى » يقول في تفسيره لقوله تعالى : « مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » : أي من طين تغير واسودّ من طول مجاورة الماء . « 1 » فالقول بانتماء الإنسان في أصل نشأته إلى شجرة الحياة العامة النابتة في الأرض ، من الأرض ، لا يعارض نصا من نصوص القرآن ، بل إنه ليلتقى معها في يسر ووضوح . . فإذا كان الإنسان - آدم - خلق من طين ، فالأحياء كلها - نباتا وحيوانا - مخلوقة من طين ! فالإنسان إذن هو ابن هذه الأرض : « مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى » ( 55 : طه )
--> ( 1 ) تفسير البيضاوي « سورة الحجر » .